بقلم / نعمة حسن
في زمنٍ مضى، كان الكذب عارًا، والغدر خيانة، ونقل الكلام مذمّة، والخداع وصمة لا تُغتفر. كنّا نضع حدودًا فاصلة بين الحق والباطل، بين الصادق والخائن، بين صاحب المبدأ ومن باع نفسه
أما اليوم، فقد تغيّر المشهد! أصبح الخطأ مقبولًا ما دام لم يصبنا شخصيًّا، وصارت المعاملة مع المسيء أمرًا عاديًا، حتى ترسّخ في ظنّه أنّ ما يفعله حق، فتمادى وتكاثر غيّه، ثم نعود نحن لنتساءل بدهشة ساذجة: “لماذا تغيّرت الناس؟”
الأدهى من ذلك أن الصادق بات يُستنكَر! فإذا وعدك أحدهم بموعد ثم تخلّف عنه بلا اعتذار، وعاتبته بأدب، انقلب عليك متهمًا إيّاك بالتدقيق والمبالغة! وكأنّ الالتزام بالوعد أصبح جريمة، والاعتذار رفاهية، بينما التملّص والتهاون هما الأصل
الأغرب أنّ من يخلف وعده هو ذاته من يسدي النصائح:
“لا تدقّق”
“تجاوز”
“تعلّم أن تتحمّل”
بل وأصبحت الجملة الرائجة اليوم: “فوت ما تدقق… كده تتعب!”
أي عبثٍ هذا؟! هل صارت الدعوة للتهاون قيمة، والصبر على الخطأ شرفًا؟! بينما أبسط قواعد الذوق تقتضي أن من وعد التزم، وإن عاقته الظروف اعتذر، لا أن يقلب الطاولة ويلقي التهمة على غيره
لقد اعتادت النفوس على الهمجية حتى صارت جهرًا لا خجل فيه، بل تُطلب منّا صراحة: “افتح قلبك وتغاضَ، ولا تحاسب!”
لكنّ الحقيقة أبسط من كل هذا الالتواء: إن وعدت، فالتزم. وإن حالت الظروف، فاعتذر. فهذه هي قواعد الذوق الأولى، وهذه هي الفطرة السليمة. أما التبرير الماكر، والاتهام الباطل، فهما أقنعة رخيصة لا تنطلي على بصير
أيها القارئ العزيز، لا تسمح لأحد أن يجرّك إلى هاوية الهمجية. تمسّك بالأصول، بالصدق، بالوضوح. إن رفض الآخر أن يرتقي معك، فإياك أن تسقط معه. بل ابتعد عنه تمامًا، ولا تمنحه مكانًا في حياتك، لأن من لا يقدّرك سيُهينك، ومن لا يحترمك سيُقلّل منك، والكرامة أثمن من أي علاقة زائفة
فالخطأ لا يُصبح صوابًا بكثرة ممارسيه، والصدق لا يفقد قيمته لأن الصادقين قلّة
واعلم أنّ الوقوف على الحق يحتاج شجاعة، لكنّه وحده ما يُبقي القلب مرتاحًا، والضمير نقيًّا، والوجه مرفوعًا أمام نفسك قبل الآخرين
أكتب لأهز الغفلة، وأترك في قلبك أثرًا لا يُمحى



